الخطيب الشربيني

376

مغني المحتاج

لذلك بقوله تعالى : * ( لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) * ، وكسائر الاملاك المشتركة ، ولكل منهم الرجوع متى شاء ، فإن رجع وقد أخذ نوبته قبل أن يأخذ الآخر نوبته ، فعليه أجرة نوبته من النهر للمدة التي أخذ نوبته فيها . ويمنع أحدهم من توسيع فم النهر ومن تضييقه ، ومن تقديم رأس الساقية التي يجري فيها الماء ومن تأخيره ، ومن إجراء ما يملكه فيه ، ومن بناء قنطرة ورحى عليه ، ومن غرس شجرة على حافته إلا برضا الباقين كما في سائر الاملاك المشتركة وعمارته بحسب الملك . تنبيه : قوله : مهايأة منصوب إما على الحال على المبتدأ أو هو القسمة بناء على صحة الحال منه كما ذهب إليه سيبويه وغيره ، أو على أنها مفعول بفعل محذوف بتقدير : ويقسم مهايأة ، ويجوز كون القسمة فاعلة بالظرف بناء على قول من جوز عمل الجار بلا اعتماد وهم الكوفيون ، وعليه فنصب مهايأة على الحال من الفاعل . خاتمة : لا يصح بيع ماء البئر والقناة منفردا عنهما ، لأنه يزيد شيئا فشيئا ويختلط المبيع بغيره فيتعذر التسليم . فإن باعه بشرط أخذه الآن صح ، ولو باع صاعا من ماء راكد صح لعدم زيادته أو من جار فلا لأنه لا يمكن ربط العقد بمقدار مضبوط لعدم وقوفه . ولو باع ماء القناة مع قراره والماء جار لم يصح البيع في الجميع للجهالة ، وإن أفهم كلام الروضة البطلان في الماء فقط عملا بتفريق الصفقة . فإن اشترى البئر وماءها الظاهر أو جزأيهما شائعا وقد عرف عمقها فيهما صح وما ينبع في الثانية هو مشترك بينهما كالظاهر ، بخلاف ما لو اشتراها أو جزأها الشائع دون الماء أو أطلق لا يصح لئلا يختلط الماءان . ولو سقى زرعه بماء منصوب ضمن الماء ببدله والغلة له لأنه المالك للبذر ، فإن غرم البدل وتحلل من صاحب الماء كانت الغلة أطيب له مما لو غرم البدل فقط . ولو أشعل نارا في حط ب مباح لم يمنع أحدا الانتفاع بها ولا الاستصباح منها ، فإن كان الحطب له فله المنع من الاخذ منها لا الاصطلاء بها ولا الاستصباح منها . كتاب الوقف هو والتحبيس والتسبيل بمعنى . وهو لغة : الحبس ، يقال : وقفت كذا ، أي حبسته ، ولا يقال أوقفته إلا في لغة تميمية وهي رديئة وعليها العامة . وهو عكس حبس فإن الفصيح أحبس ، وأما حبس فلغة رديئة . وشرعا : حبس مال يمكن الانتفاع به مع بقاء عينه بقطع التصرف في رقبته على مصرف مباح موجود ، ويجمع على وقوف وأوقاف . والأصل فيه قوله تعالى : * ( لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون ) * ، فإن أبا طلحة لما سمعها رغب في وقف بيرحاء وهي أحب أمواله . وقوله تعالى : * ( وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ) * ، وخبر مسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له . والولد الصالح هو القائم بحقوق الله تعالى وحقوق العباد ، ولعل هذا محمول على كمال القول ، وأما أصله فيكفي فيه أن يكون مسلما . والصدقة الجارية محمولة عند العلماء على الوقف كما قاله الرافعي ، فإن غيره من الصدقات ليست جارية ، بل يملك المتصدق عليه أعيانها ومنافعها ناجزا . وأما الوصية بالمنافع لو إن شملها الحديث فهي نادرة ، فحمل الصدقة في الحديث على الوقف أولى ، وفي الصحيحين : أن عمر رضي الله تعالى عنه أصاب أرضا بخيبر ، فقال : يا رسول الله ما تأمرني فيها ؟ فقال : إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها ، فتصدق بها عمر على أن لا يباع أصلها ولا يوهب ولا يورث . وهو أول وقف في الاسلام على المشهور . وقال جابر رضي الله تعالى عنه : ما بقي أحد من أصحاب رسول الله ( ص ) له مقدرة إلا وقف وقفا ، وقال الشافعي رضي الله تعالى عنه في القديم : بلغني أن ثمانين صحابيا من الأنصار تصدقوا بصدقات محرمات . والشافعي يسمى الأوقاف الصدقات المحرمات . وأركانه أربعة : واقف وموقوف وموقوف عليه وصيغة . وقد شرع في الركن الأول فقال : ( شرط الواقف صحة عبارته ) دخل في ذلك الكافر فيصح